نصّ الفتوى كاملا كما جاءت على موقعه:
{الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعه إلى يوم الدين. (وبعد) هذه النسبة: 0.5% خمسة من مائة في المائة – وبعبارة أخرى: خمسة في الألف – لا أثر لها في التحريم، لأنها نسبة ضئيلة جدا، وكما قال الدكتور: إنها تحدث بفعل التخمر الطبيعي، وليست مصنعة، ولذلك لا أرى حرجا من تناول هذا المشروب. والشريعة الإسلامية شريعة واقعية، ومن واقعيتها هنا: أنها وضعت قاعدة مهمة جاء بها الحديث الشريف، وهي أن “ما أسكر كثيره، فقليله حرام”. وأعتقد أن أي إنسان شرب من هذا المشروب ما شرب فلن يسكره، ولذا لا يحرم القليل منه. وأما التنصيص على هذه النسبة، فهو أمر جائز ولا حرج فيه، حتى يعرف الناس الحقيقة، ولا يصدقوا الشائعات التي يروجها بعض الناس أحيانا لأغراض شتى، وبيان الأمور على حقيقتها لا ضرر فيه بحال.وأود أن أنبه على أن هذه النسبة من الكحول وما في حكمها، إذا أضيفت عمدا إلى المشروب لغير حاجة صحية أو طبية، أو نحو ذلك، فإن من أضافها يأثم على ذلك. وإن لم يكن مؤثرا في إباحتها لشاربها. وبالله التوفيق.} إنتهى نصّ الفتوى.
لمن لم يتّضح له إلى حدّ الآن خطر فتوى القرضاوي وخطئها هذا تفصيل في الرّدّ على أبرز ما جاء فيها:
علّة التّحريم هي خاصّيّة الإسكار ولا شيء غيرها بتاتا.
نِسَبُ المركّبات ليس هو علّة التّشريع حتّى وإن أفصحت الكيمياء على علاقة تجريبيّة بين النِّسَب وخاصّيّة الإسكار فإنّ خاصّيّة الإسكار هي المنصوص عليها وحدها كعلّة شرعيّة. لذا ما وجب على القرضاوي التّأكُّدُ منه هو جواب السّؤال التّالي: هل حدث أن أسكر هذا المشروبُ أحدا ؟
فإن ثَبَتَ أن أسكر فقليله وإن ضَؤُل حرام.
والمناط هنا هو المشروب كاملا وليس مركّباته ونِسَبها. ذلك أنّ الحديث يخصُّ خاصّيّة الإسكار في المادّة كوحدة واحدة وليس خاصّيّة الإسكار في مركّباتها كلّ على حدة. وما دام القرضاوي قد إعتَمدَ النِّسب فإنّه بذلك يتحدّثُ عن خاصّيّة الإسكار في مركّباتها كلّ على حدة وما دامت خاصّيّة الإسكار في أحد مركّباتها هي الإسكار قطعا فإنّ تجويز شرب القليل من أحد المركّبات هو تجويز لشرب قليل من الخمر وهذا حرام.
وإنّه من دواعي الدّهشة والإستغراب يصل إلى حدود الإستهجان أن يقول شيخٌ يدّعي الفقه كلاما كهذا {إنها تحدث بفعل التخمر الطبيعي، وليست مصنعة، ولذلك لا أرى حرجا من تناول هذا المشروب} . فما يُفهمُ من قوله أنّ الخمر الطّبيعي أي الذي تخمّر طبيعيّا بدون إضافات فهو حلال ! وهل الخمر كان يُصنَعُ بالإضافات؟ إعصر عنبا ويجوز لك شُربُه في حينه ولكن إن تركتَه لبعض الوقت من عدّة أيّام إلى مئات السّنين فإنّ ذلك العصير الذي كان جائزا شُربه يتخمّرُ ويُصبح قليله حرام.
فلا دخل على الإطلاق للتّطرّق للمشروب إن كان طبيعيّا أم مصنّعا.
ثمّ إنّ الشّريعة الإسلامية ليست شريعة واقعية مطلقا. وهذا الكلام غاية في خطورته. ومعناه أنّ الأحكام يمليها عليها الواقع وهذا قطعا ليس الإسلام. فالأحكام مصدرها الوحيد هو مصادر التّشريع الأربعة: قرآن سنّة إجماع الصّحابة والقياس بمعنى أنّ الواقع هو موضع للتّفكير والتّشريع وإيجاد إجابات له وليس مصدرا للتّفكير أوالتّشريع.
هذه الجملة: {“ما أسكر كثيره، فقليله حرام”. وأعتقد أن أي إنسان شرب من هذا المشروب ما شرب فلن يسكره، ولذا لا يحرم القليل منه.} فقط كانت تكفي إن تأكّد له أنّ المشروب لم يتحقّق فيه خاصّيّة الإسكار. وهي جملة تناقض تماما ما ذكره في أوّل فتواه.
والإشكال الذي يقع فيه القرضاوي ليس جوازالتنصيص على هذه النسبة أو عدم جوازه ولكنّ الإشكال هو التّخبّط الذي يقع فيه القرضاوي ـ وكثيرٌ مثله ـ والنّاتج عن عدم وضوح حدود تداخل المسائل التّجريبيّة مع الفقه وأزيد من الشّعر بيتا وهو عدم فهم النّصّ والإستدلال به على الوجه الصّحيح في المسألة. فالنّصُّ لا يدلّ إلا على خاصّيّة الإسكار ولا شيء غير خاصّيّة الإسكار. فالمركّبات التي نجدها في المواد المُسكِرة ـ فهي خمرٌ وهي حرام ـ هي نفسها نجدها في مواد غير مسكِرة ـ فهي ليست خمرا وهي حلال ـ. فالذي يحدّد أنّ مادّة ما هي خمرٌ أم لا هي وحدها خاصّيّة الإسكار. هذا من ناحية الشّرع.
ولكن حتّى يتّضح من النّاحية العقليّة خطأ المقاربة التّجريبيّة في إستنباط الأحكام لمن لم يزل يدافع عن هذا الفهم الخاطئ لتداخل التّجريبي في إستنباط الأحكام سوف أدفع الأمر إلى حالته القصوى: أرأيتُم إن إعتبروا بفيزياء المكوّنات بعد الإعتبار بكيميائها؟ فينتقل الأمر إلى الذّرّة والإلكترون والنّترون والبروتون ثمّ إلى الكْوَارْك وتُصبِح الأحكام مجرّد نظريّات مبنيّة على فرضيّات العلم التّجريبي.
إنّ الشّرع سهل يسير والنّصّ آية في وضوحه فلمَ هذا التّعسير الذي كان بنو إسرائيل آية فيه لمّا أمرهم الله بذبح بقرة؟ إنّ هذا الدّين تامٌّ منذ أُنزلت آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } [ المائدة الآية 3] وحكم الخمر لا يقبل الإجتهاد.
أمّا إباحة شرب خليط المُسكر مع غير المسكر بقوله: {أن هذه النسبة من الكحول وما في حكمها، إذا أضيفت عمدا إلى المشروب لغير حاجة صحية أو طبية، أو نحو ذلك، فإن من أضافها يأثم على ذلك. وإن لم يكن مؤثرا في إباحتها لشاربها.} فإنّه جاء نتيجة طبيعيّة لإعتماده النِّسَب وتحليله إلى مركّبات المشروب في تحليل أو تحريم شرب المادّة بدل التّحقّق من خاصّيّة الإسكار.
ثمّ بقوله لا يأثم شارب مادة خليط بين مسكر وغير مسكر هذا هو ما يُبيحُ شُربَ الخمر ـ وخاصّة بالنّسبة للقرضاوي ـ إذا كان طبيعيّ التّخمُّر! وشُربُ الخمر حرام وإن ضَؤُلت نسبتُه.
والله أعلم.