يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ: غريزة الجنس حصان طروادة

14 سبتمبر 2008

يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ: غريزة الجنس حصان طروادة

طاقة الإنسان الحيويّة تنقسم إلى غرائز وحاجات عضويّة.
إختصارا الغرائز هي الطّاقة الحيويّة أو الرّغبات والميول التي إن لم تُلبّى أقلقت الإنسان وأضجرته ولكنّه لن يقتُله عدم تلبيتها كغريزة النّوع (الميل الفطري للجنس هو مظهر من مظاهرها) أو غريزة التّديّن (الميل الفطري للتّقديس والإحترام هو مظهر من مظاهرها) أو غريزة البقاء (الميل الفطري للتّملّك هو مظهر من مظاهرها). أمّا الحاجات العضويّة فهي إن لم تُلبّى قتلت الإنسان كالجوع والعطش.

يكون الميل الجنسي على أشدّ ما يكون عنفوانا عند سنّ الشّباب. وسنّ الشّباب هو أفضل سنيّ العمر على الإطلاق. وقد ورد في الشّباب ما لا يُحصى من الأقوال العظيمة. فالشّباب هم بإختصار: قوّة الأمّة ومستقبلها.

والإسلام بأحكامه جاء منظِّما لطريقة إشباع كلّ تلك الطّاقات الحيويّة ومنها غريزة النّوع فجعل حكم الزّواج هو الطّريقة الوحيدة لإشباع الميل الفطري للجنس. وقد حثّ الرّسول صلى الله عليه وسلم الشّباب على الزّواج إن حصلت الإستطاعة:

5121 ـ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا اَبِي، حَدَّثَنَا الاَعْمَشُ، قَالَ حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالاَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَبَابًا لاَ نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم: { يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَاِنَّهُ اَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَاَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَاِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ} صحيح البخاري ـ كتاب النكاح

1919 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم:‏ {‏ النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ}‏ ‏.‏ سنن ابن ماجه ـ كتاب النكاح

والأمّة الإسلاميّة هي أشبّ الأمم. فنسبة الشّباب فيها تتجاوز في أغلب أطراف البلاد الإسلاميّة ال50% وهذه النّسبة مقضّة لمضاجع الغرب الكافر خاصّة لعلمهم عن قوّة الإسلام إن تمكّن من نفوس هذا الشّباب والخطر الذي يتوقّعونه عليهم.

وقد كانت أعمال “المبشّرين” تستهدف الإسلام وتاريخه ولا تزال ولكن بدأت بعد ذلك ـ وخاصّة عند إمكانيّة الغرب الكافر إستهداف عنصر القوّة الثّاني ألا وهو الشّباب ـ أعمال ذات طبيعة أخرى أشدّ خطرا لقوّة الأدوات المستعملة ودقّة الجزء المستهدَف.

هذه الأعمال تهدف إلى إستغلال غريزة النّوع داخلنا بإثارتها وتوجيهها وهذه الغريزة أشبه ما يكون في هذه الحالة بحصان طروادة. فالميل الفطري للجنس هو حصان طروادة الذي يراهن عليه الغرب داخلنا مستهدفا عنصر القوّة الثّاني للأمّة: الشّباب.

فقد جعل الغرب الكافر له علينا أنظمة حكم تدعو لقيمه الرّخيصة وتحرص عليها وتحرسها وتستبسل في الدّفاع عنها وتموت من أجلها. وفي المقابل تزجر هذه الأنظمة من إلتزم دينه وتتابعه وتضيّق عليه وعلى أهله أوتقتله وتشجّع الشّباب وتدفعه دفعا لإرتكاب الرّذائل وإغراقه فيها.

وأمام تشجيع شرّ الخلائق حكّام البلاد الإسلاميّة على العري والإختلاط وإرتكاب الرّذائل. فغالبا ما تجد الشّابّ بين جحيمين: الشّهوات الجنسيّة التي يستثيرها الوسط العفن الذي نعيش فيه في رعاية حكّام سوء، وعنفوان شهوته ومن جهة أخرى دينه وما أمر وما نهى. وغالبا ما يفسق الشّابّ بسبب هذا فهو (أو هي ) يرى أنّ دينه لم يعد يصلح لظروف هذا الزّمن عاكسا تماما ما يجب أن يذهب إليه وهو أنّ ظروف هذا الزّمن قد خرجت تماما على ما يجب أن تكون عليه في الحياة الإجتماعيّة في الإسلام.

ففي زمان كالذي نعيشه نحن اليوم، العادة السّرّيّة هي أقلّ ما يرتكبه الشّابّ أو الشّابّة من حرام إن نجا من صحبة السّوء و”المخاللة” (إتّخاذ خليل في الحرام أي الزّنا). ولها مخلّفات لا تُمحى على النّفسيّة والحياة الزّوجيّة المستقبليّة وحياته خاصّة وذرّيّته وأمّتنا عموما.

وسبب كلّ هذه المصائب من العادة السّرّيّة إلى الزّنا والمخاللة إلى الفسق وحتّى الضّلال والكفر سببها الرّئيس هو النّظام الذي يحكم البلاد: يبثّ العري ويدعو له، يشجّع على الإختلاط وينظّم الحفلات الماجنة للطّلبة، يفتح الخمّارات والمراقص، يتنافس على جذب السّيّاح ويجعل لهم مناطق خاصّة مفتوحة، يقدّم الغربَ بحضارته الفاسدة ومدنيّته كمُثُلٍ عليا، يقدّم الممثّلات والمغنّيات الغانيات الفاسدات الفاجرات كمُثُلٍ عليا للنّجاح ويخصّص لها البرامج التّلفزيونيّة الطّويلة…. بما يؤكّد لنا جزما أنّ الغريزة الجنسيّة هي حصان طروادة الذي يراهن عليه الغربُ وأنظمته الفاسدة التي تحكمنا لإدامة إنحطاطنا وذلك بإفساد الشّباب المتعطّش لإرواء شهوته. فإذا أشبع شهوته في الحرام سهلُ بعد ذلك إفساد نفسيّته ـ أذواقه والجانب الرّوحي ـ ثمّ عقليّته إن مرئ الفسق وإنحنت نفسيّته أمامه.

لذلك لمن أراد الجهاد فهذا باب للجهاد مفتوح: دعوة الشّباب للزّواج المبكّر ودعوة الآباء لتسهيل أمر الزواج. لأنّ بهذه الطّريقة وحدها يمكننا القضاء على إستراتيجيا العدوّ في حربه الشّاملة علينا.

أدعو كلّ شابّ بلغ سنّ الجامعة ـ 18ـ 19ـ 20 سنةـ أن يؤسّس علاقة شرعيّة ـ أي يتزوّج ـ مع تفادي الإنجاب في حال عدم مقدرته المادّيّة. فتلك السّنوات والتي تليها تكون الغريزة الجنسيّة في عنفوان ثورتها خاصّة أمام العري ووسائل الإتّصال التي تدفع به أمامهم والعري الذي يغمر الشّوارع. وخاصّة أمام تشجيع شرّ الخلائق حكّام البلاد الإسلاميّة على العري والإختلاط وإرتكاب الرّذائل و العمل على إدامة العزوبة حتّى لا يصمد أمام الفساد غير القليل.

لذا حتّى نسحب البساط من تحت أقدام الأنظمة الفاسدة وحتّى يتوجّه الشّباب لما يفيدهم ويفيد أمّتنا فهذه هي نقاط إستراتيجيّة مضادّة لكسر إستراتيجيّة العدوّ:

1. يتزوّج الشّابّ عن عمر المرور إلى الجامعة 18/19/20 سنة وهو عمر فيه الكثير من النّضج ـ والزّواج يزيد في نضجه ـ.
2. أن لا تمانع الشّابة في ذلك وتنسى مسائل المهور الباهضة والأعراس الفخمة وإلخ من العوائق التي يجب النّظر إليها بنفس العين التي ننظر بها إلى الأنظمة الكافرة المسلّطة على رقابنا.
3. أن يشجّع الآباء على ذلك.

بالطّبع كلامي أعلى هي وجهة نظر شاملة وبالتّالي فالنّسبيّة ممكنة بدرجة فساد النّظام و/ أو درجة وعي الشّاب.
والله أعلم.


وصفة أمريكية جديدة لبناء شبكات الإسلاميين “المعتدلين” (1-2)

28 مايو 2009

تقرير واشنطن- خليل العناني

لا يزال الغرب مسكوناً بهاجس التطرف الإسلامي، ولا تزال الكثير من مؤسسات ومراكز الأبحاث الأمريكية تقوم بالعديد من الدراسات والأبحاث حول كيفية تقويض والحد من المد الأصولي الذي تراها عنصراً رئيسياً في تهديد المصالح الغربية حول العالم.
ويعتقد البعض أن أحد الأدوات الرئيسية لمواجهة هذا المد المتصاعد تكمن في تقوية ما أطلق عليه تيارات “الإسلام المعتدل” باعتبارها حائط الدفاع الأول في مواجهة انتشار التطرف والتشدد في العالم الإسلامي. وتعتبر الدراسة التي أعدتها شارلي بينارد الباحثة بمؤسسة “راند” للدراسات ونشرت عام 2004 أحد العلامات البارزة في هذا المجال، والتي صنفت فيها الإسلام السياسي إلي أشكال متعددة، كان أهمها “الإسلام المعتدل”. قبل أيام قليلة أصدرت مؤسسة “راند” دراسة شاملة حول ” بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي” شارك فيها أربعة باحثين في مقدمتهم شارلي بينارد وأنجل رابسا ولويل شوارتز وبيتر سكيل. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الصراع مع العالم الإسلامي هو بالأساس “صراع أفكار” وأن التحدي الرئيسي الذي يواجه الغرب يكمن فيما إذا كان العالم الإسلامي سوف يقف في مواجهة المد الجهادي الأصولي، أم أنه سيقع ضحية للعنف وعدم التسامح. وقد قامت هذه الفرضية علي عاملين أساسيين أولهما أنه علي الرغم من ضآلة حجم الإسلاميين الراديكاليين في العالم الإسلامي، إلا أنهم الأكثر نفوذاً وتأثيراً ووصولا لكل بقعة يسكنها الإسلام سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية. وثانيهما ضعف التيارات الإسلامية المعتدلة والليبرالية والتي لا يوجد لديها شبكات واسعة حول العالم كتلك التي يملكها الأصوليون.
وانطلاقاً من هذه الفرضية فإن الخيط الرئيسي في الدراسة يصب في منحي ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوفير المساندة للإسلاميين المعتدلين من خلال بناء شبكات واسعة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم لبناء حائط صد في مواجهة الشبكات الأصولية. وفي هذا الإطار تضع الدراسة ما تطلق عليه “خارطة طريق” يمكن للولايات المتحدة السير عليها من أجل خلق أجيال من الإسلاميين المعتدلين يمكن من خلالهم مواجهة التيارات الأصولية. وتوصي الدراسة بإمكانية الاستفادة في بناء هذه الشبكات من تجربة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق طيلة النصف الأخير من القرن الماضي.
تنقسم الدراسة، التي تقع في 217 صفحة، إلي مقدمة وعشرة أجزاء، يمكن استعراضها علي حلقتين، وفي هذه الحلقة نتعرض للأفكار التالية: تحدي الإسلام الراديكالي وحتمية البحث عن حلفاء
تكتسب التفسيرات الراديكالية للإسلام مساحة كبيرة في المجتمعات الإسلامية، وذلك لأسباب عديدة منها انتشار الأدبيات والمصادر المتشددة لشرح الدين الإسلامي، فضلاً عن المناخ السلبي الذي تفرزه البنية السلطوية للنظم السياسية في العالم الإسلامي، ناهيك عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تجعل المسجد بمثابة المؤسسة الوحيدة التي تستوعب مشاعر الإحباط وعدم الرضاء لدي العديد من المسلمين.
وانطلاقاً من هذه الخلفية يقدم الإسلاميون الراديكاليون أنفسهم باعتبارهم البديل الوحيد للأنظمة الاستبدادية وللخروج من هذه الحال المأساوية. وهم يديرون معركتهم مع هذه النظم من خلال استخدام وسائل الإعلام والمنابر السياسية المختلفة لرفع درجة السخط واليأس السياسي لدي المجتمعات من الأوضاع القائمة.
وفي كل الأحوال ينجح الراديكاليون والنظم السلطوية في تهميش وإضعاف ما يمكن أن يطلق عليه “المسلمين المعتدلين” وذلك علي غرار ما يحدث في مصر وإيران والسودان. حيث يواجَه هؤلاء إما بالقتل أو بالهروب خارج بلادهم.
ويمتلك الراديكاليون مزيتين لا تتوافرن لنظرائهم من المعتدلين أولاهما، التمويل، وفي هذا الإطار تشير الدراسة إلي الدور الذي قامت به السعودية في تمويل الإسلاميين المتشددين من أجل نشر المذهب الوهابي خارج السعودية وذلك علي مدار ثلاثة عقود. وثانيتهما التنظيم القوي الذي يتمتع به الراديكاليون، حيث نحج هؤلاء بحسب في بناء وتطوير شبكات تنظيمية علي مدار السنوات الماضية من أجل مد أنشطتها إلي خارج بلدانها.
وتمكن هاتين المزيتين الإسلاميين الراديكاليين من الانتشار والتأثير، وذلك برغم ضآلتهم العددية مقارنة بالمعتدلين، وهو ما يفرض علي الولايات المتحدة ضرورة العمل من أجل توفير هذه المزايا لدعم موقف المعتدلين، ويمكن في هذا الإطار الاستفادة مما قامت به الولايات المتحدة لمواجهة الاتحاد السوفيتي السابق عبر بناء شبكات من المتحالفين والشركاء داخل البلدان الاشتراكية والشيوعية وذلك عبر استخدام كافة الوسائل بما فيها الأنشطة الخفية لوكالة الاستخبارات المركزية CIA.
بيد أن صناع السياسة في الولايات المتحدة يواجهون، بحسب الدراسة، ثلاثة تحديات رئيسية تختلف كلياً عما كان عليه الحال إبان الحرب الباردة. أولها، يتعلق بصعوبة الاختيار بين استراتيجيتي الدفاع أم الهجوم، فالبعض فضل اللجوء للاستراتيجية الهجومية من أجل خلخلة النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، من خلال خلق شبكات داخلية لمهاجمة كافة الحكومات الشيوعية. في حين اعتقد البعض الأخر ضرورة اللجوء للاستراتيجية الدفاعية من خلال اعتماد استراتيجية “الاحتواء” من خلال دعم الحكومات الديمقراطية في أوروبا الغربية وآسيا وأمريكا اللاتينية.
التحدي الثاني يتمثل في كيفية حفاظ الحلفاء المحليين علي مصداقيتهم أمام شعوبهم بسبب ارتباطهم بالولايات المتحدة، ولذا فقد حاولوا وضع مسافة واضحة بين أنشطتهم وعلاقتهم بواشنطن. أما التحدي الثالث فيتمثل في شكل وبنية التحالف الذي يمكن بناءه في مواجهة الشيوعية، وهل يتم من خلال العلاقة مع الاشتراكيين السابقين الذي تحولوا ضد الشيوعية، ولكنهم أيضا ينتقدون السياسة الخارجية الأمريكية، أم البحث عن شركاء آخرين؟ وفي النهاية لجأت الولايات المتحدة إلي بناء تحالف كبير يضم جميع من ينتقد الأيديولوجية الشيوعية، لذا تم تأسيس ما يطلق عليه “كونجرس الحرية الثقافية”.
وقد وضعت الدراسة جدولاً توضيحياً لمعرفة الفروق الرئيسية بين استراتيجية بناء الشبكات إبان مرحلة الحرب الباردة، وبناءها في الوقت الراهن وذلك علي النحو التالي:   تحدي بناء الشبكات .. مقارنة بين الحرب الباردة والشرق الأوسط

المتغير

بيئة الحرب الباردة

بيئة الشرق الأوسط

دور المجتمع المدني

قوي

ضعيف – في حالة نمو

العلاقة بين الولايات المتحدة والحكومات المستهدفة

خصومة مفتوحة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي

ينظر لشبكات دعم الديمقراطية باعتبارها محاولة من الولايات المتحدة لزعزعة استقرار النظم السلطوية

نظرة المجتمعات للدور الأمريكي

ينظر للولايات المتحدة باعتبارها قوة تحرير

لا ينظر إلي الولايات المتحدة باعتبارها قوة تحرير

العلاقات التاريخية والثقافية

قوية

ضعيفة

أيديولوجية الخصم

علمانية

دينية

طبيعة الشبكات المعارضة

تحكم مركزي

مفككة وغير مركزية

التحديات العملية

أقل تعقيداً

أكثر تعقيداً

وتشير الدراسة إلي أن أهم الشركاء “المحتملين” في مواجهة الإسلام الراديكالي هم المسلمون الليبراليون والعلمانيون الذين يؤمنون بقيم الليبرالية الغربية وأسلوب الحياة في المجتمعات الغربية الحديثة.والذين يمكن من خلالهم محاربة الأيديولوجية الإسلامية المتشددة والراديكالية، ويمكن أن يكون لهم دور مؤثر في “حرب الأفكار”.
بيد أن الدراسة تؤكد علي أنه لابد من توفير كافة مصادر التمويل التي تمكن هؤلاء المعتدلين من نشر أفكارهم وحصد مؤدين وأنصار لهم داخل المجتمعات الإسلامية، وتوفير الدعم السياسي من خلال الضغط علي الحكومات السلطوية للسماح لهم بالتحرك بحرية ودون قيود.   الجهود الأمريكية لكبح جماح الإسلام الراديكالي
مثلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، دافعاً قويا للإدارة الأمريكية من أجل إعادة تقييم سياسات ومشروعات الأمن القومي الأمريكي، وقد تم تخصيص موارد كثيرة من أجل توفير الحماية للأراضي الأمريكية ومواطنيها من أية تهديد إرهابي. وهو ما أسفر عن زيادة مخصصات الجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات الأمريكية فضلاً عن تدشين وزارة للأمن الوطني. واتسعت برامج مكافحة الإرهاب لتشمل ليس فقط محاكمة ومقاضاة المتورطين في الأنشطة الإرهابية، وإنما أيضا التعاطي مع المصادر الحقيقية والبعيدة للإرهاب، ممثلة في إعادة هيكلة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان التي تمثل مصدراً رئيسياً لظهور الإرهابيين، وذلك علي حد وصف الدراسة. وهو ما ترجم عملياً في وثيقة “استراتيجية الأمن القومي الأمريكي” التي أصدرتها الإدارة الأمريكية في سبتمبر عام 2002، والتي تبنت فكرة نشر الديمقراطية والحرية خارج الحدود الأمريكية، أو ما أطلق عليها الرئيس بوش في خطابه الشهير أوائل عام 2002 “أجندة الحرية”.
وتؤكد الدراسة أنه رغم الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية طيلة الأعوام الخمس الماضية لنشر الديمقراطية والحرية، والدفع نحو مزيد من الإصلاح السياسي في البلدان السلطوية، إلا أنها لم تحقق النتائج المرجوة ودفعت نحول حال من عدم الاستقرار في بعضها، في حين لم تحقق تقدماً يذكر في بلدان مثل باكستان ومصر.
وتلفت الدراسة الانتباه إلي أن “أجندة الحرية” اعتبرت الاستراتيجية الكبرى Grand Strategy لإدارة الرئيس بوش لم تركز علي إيجاد حلفاء يمكن الاعتماد عليهم في بناء شبكات من المسلمين المعتدلين، وتري أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الولايات المتحدة، والدول الغربية عموماً، يكمن في عدم امتلاكهم استراتيجية واضحة عن ماهية هؤلاء المعتدلين، وما هي فرص بناء شبكات تحالفيه معهم، وما هي أفضل السبل لتحقيق هذا الهدف؟
وعطفاً علي عدم وضوح الرؤية الأمريكية فيما يخص “حرب الأفكار” فقد لجأت إلي مجموعة من السياسات التقليدية مثل فرض الدمقرطة والحكم الرشيد، ودعم المجتمع المدني، ودعم التحرير السياسي والاقتصادي، وتغيير المناهج التعليمية والتثقيفية، فإنها قد وضعت نفسها في مواجهة ثلاثة مخاطر رئيسية أولها يتعلق بفقدان البوصلة، حيث فقد بعض الإسلاميون المعتدلون قدراً من مصداقيتهم بسبب العلاقة مع الولايات المتحدة كما هو الحال مع حزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن. والثاني يتعلق بضياع الوقت والجهد بسبب ازدواجية الأنشطة التي تقوم بها الهيئات غير الحكومية. والثالث هو ضياع الفرص الحقيقية للتغيير، وذلك بسبب التداخل الشديد في الاتصالات والعلاقات البينية التي تمارسها البيروقراطية الأمريكية. وسط هذا الوضع المعقد تضيع الجهود الأمريكية للتعرف علي المسلمين المعتدلين وتوفير الدعم اللازم لجهودهم. لذا تقرر الدراسة أن بناء شبكات المسلمين المعتدلين يمكن أن تتم من خلال ثلاثة مستويات أولها مساندة الشبكات القائمة، وثانيها التعريف الدقيق للشبكات المحتملة ودعم نموها، وثالثها تعزيز قيم التعددية والتسامح التي قد تساهم في نمو هذه الشبكات.   خارطة طريق لبناء شبكات الإسلاميين المعتدلين في العالم الإسلامي
تشير الدراسة إلي أن نقطة البدء الرئيسية التي يجب علي الولايات المتحدة البدء بها في بناء شبكات من الإسلاميين المعتدلين تكمن في تعريف وتحديد هوية هؤلاء الإسلاميين. وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلي أنه يمكن التغلب علي صعوبة تحديد ماهية هؤلاء المعتدلين من خلال اللجوء إلي التصنيفات التي وضعتها بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض باحثي معهد راند مثل دارسة شارلي بينارد “الإسلام المدني الديمقراطي”، ودراسة “أنجل رابسا” “العالم الإسلامي بعد أحداث 11 سبتمبر”.
ولهذا الغرض فقد وضعت الدراسة بعض الملامح الرئيسية التي يمكن من خلالها تحديد ماهية الإسلاميين المعتدلين أهمها ما يلي:
1- القبول بالديمقراطية: يعتبر قبول قيم الديمقراطية الغربية مؤشراً مهماً علي التعرف علي الإسلاميين المعتدلين، فبعض الإسلاميين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين أن البعض الأخر يقبل منها ما يتوائم مع المبادئ الإسلامية خصوصاً مبدأ “الشورى” ويرونه مرادفاً للديمقراطية.
كما أن الإيمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية التي يتحكم فيها رجال الدين كما هو الحال في إيران، لذا يؤمن الإسلاميون المعتدلون بأن لا أحد يملك الحديث نيابة عن “الله”.

2- القبول بالمصادر غير المتعصبة في تشريع القوانين: وهنا تشير الدراسة إلي أن أحد الفروق الرئيسية بين الإسلاميين الراديكاليين والمعتدلين هو الموقف من مسألة تطبيق الشريعة. فالتفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان، وتدلل الدراسة علي ذلك من خلال مقال للكاتب السوداني “عبد الله بن نعيم” قال فيه بأن الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقاً متساوية في الشريعة الإسلامية.

3- احترام حقوق النساء والأقليات الدينية: وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلي أن المعتدلين أكثر قبولاً بالنساء والأقليات المختلفة دينياً، ويرون بأن الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات في القرآن يجب إعادة النظر فيها، نظراً لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبان العصري النبوي الشريف. وهم يدافعون عن حق النساء والأقليات في الحصول علي كافة المزايا والحقوق في المجتمع.

4- نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع: وهنا تؤكد الدراسة علي أن الإسلاميين المعتدلين يؤمنون، كما هو الحال في معظم الأديان، بفكرة “الحرب العادلة”، ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف، ومتي يكون مشروعاً أو غير مشروع؟

وفي نهاية هذا الجزء تضع الدراسة مجموعة من التساؤلات، أشبه بمقياس للفرز بين الإسلاميين المعتدلين، وأولئك الذين يتخفون وراء مقولات الاعتدال والديمقراطية كما هو الحال مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر وذلك علي حد قول الدراسة. هذه الأسئلة هي بمثابة اختبار لإثبات مدي اعتدال أي جماعة إسلامية من عدمه وتتمثل فيما يلي:
- هل الجماعة تتساهل مع العنف أو تمارسه؟ وإذا لم تكن تتساهل معه فهل مارسته في الماضي؟
- هل الجماعة تؤيد الديمقراطية باعتبارها حق من حقوق الإنسان؟
- هل تحترم الجماعة كافة القوانين والتشريعات الدولية لحماية حقوق الإنسان؟
- هل لديها أية استثناءات في احترام حقوق الإنسان (مثل الحرية الدينية علي سبيل المثال)؟
- هل تؤمن بأن تغيير الديانة أحد حقوق الإنسان؟
- هل تؤمن بضرورة أن تطبق الدولة قانوناً جنائياً (الحدود) يتطابق مع الشريعة الإسلامية؟
- هل تؤمن بضرورة أن تفرض الدولة قانوناً مدنياً متلائما مع الشريعة؟ وهل تؤمن بحق الآخرين في عدم الاحتكام بمثل هذا القانون والرغبة في العيش في كنف قانوني علماني؟
- هل تؤمن بضرورة أن تحصل الأقليات الدينية علي نفس حقوق الأغلبية؟
- هل تؤمن بحق الأقليات الدينية في بناء دور العبادة الخاصة بهم في البلدان الإسلامية؟
- هل تؤمن بأن يقوم النظام القانوني علي مبادئ غير دينية؟

________

المصدر: “تقرير واشنطن”

http://www.taqrir.org/showarticle.cfm?id=628

من نحن؟
تقرير واشنطن هو خدمة إخبارية ومعلوماتية دولية مجانية باللغة العربية، تقدم أخبارا وتحليلات وتحقيقات من داخل الولايات المتحدة، يتم التعرف من خلالها بطريقة بسيطة على الآليات المؤثرة في عملية صنع القرار الأمريكي وتأثير ذلك على القضايا العربية. كما تتناول خدمة تقرير واشنطن التعقيدات الكثيرة داخل المجتمع الأمريكي والتي غالبا ما تغيب عن ذهن المواطن والمثقف العربي.
ويهدف تقرير واشنطن إلى تحقيق فهم أكبر لما يحدث داخل الولايات المتحدة إيمانا منه بحرية تداول المعلومات.
تقرير واشنطن ليس وسيلة لنشر أو دعم القيم والمبادئ الأمريكية، يحاول تقرير واشنطن عرض ما يعتقد انه قصور عربي في تغطية الشئون والأحداث الامريكية.


الإعتدال و التطرف

28 مايو 2009

الإعتدال والتطرف

إن حرب الغرب على الإسلام تأخذ وجوها مختلفة ، وتدخل مجالات متنوعة ، يجمعها القيام بكل ما من شأنه أن يبعده عن واقع الحياة . ولم تقتصر الحملة على تشويه صورته ، وهدم خلافته ، والطعن في أحكامه ، وتصويره بأنه رسم قد عفا عليه الزمن .. بل تشتمل على كل ما يمكن ان يعيده إلى قيادة العالم من جديد. فالخوف عندهم دائم من الإسلام ، لذلك كان الكيد له لا يفتر لئلا يسُحب البساطُ من تحت أرجلهم إذا عادت للمسلمين كرتهم .

فالغرب ينظر الى المسلمين على أنهم أمة حية بإسلامها وأن دينهم دين عالمي ، يصلح للبشر ويُصلحهم وأن نفوسهم تتطلع بشكل دائم إلى الوحدة . وأن مواقع دولهم المتفرقة ستصبح موقع دولة إستراتيجية واحدة تمسك بخواصر القارات وتطل عليها.وإنهم يقبعون على ثروات ضخمة تفيض عن حاجة دولة كبرى لتجعلها دولة أولى . وإن عددهم يقارب ثلث سكان العالم .. وإن همهم ، إن أظهرهم الله ليس القتل ونهب خيرات البلاد التي يفتحونها بل فتح القلوب ، وإخراج الناس ، كل الناس ، من عِماية الكفر إلى هداية الإسلام ، وفي قناعة الواحد منهم أن إدخال رجل واحد في الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها .

لذلك يشهد الإسلام كثيراً من الكيد على أحكامه وعلى العاملين المخلصين له لإبعاد تأثيره في أهله، وفي غير أهله. وهذا الكيد يتناسب مع حجم الخطر الذي يشعرون به .

ولولا أن الإسلام هو دين الله الحق ، لنمحى ، واندرس ، وصار أثرا بعد عين . ولكن إرادة الله ماضية، ومشيئته غالبة، فقد بقي المسلمون على ولائهم لدينهم في أشد أيامهم انحطاطا، إلا أن الغرب نجح في جعل مقاييسهم خاطئة، ومفاهيمهم مغلوطة، وعقليتهم فاسدة .. ذلك أنه في حروبه الصليبية الأولى أن الإسلام متمكن في نفوس المسلمين، وأنه أقوى بكثير من أية محاولة لانتزاعه، لذلك غير خططه في حربه الصليبية الثانية، التي ما زلنا نعاني من ويلاتها، وجعلها تقوم على إبعاد المسلمين عن دينهم وعلى نشر مفاهيمه وقناعاته ومقاييسه الفكرية ليضمن سيطرته المادية ، فأوجد التبعية الفكرية له أولا، ثم أتبعها بسيطرته المادية . ثم غرس حكاماً وأحاطهم بوسط سياسي وفكري فاسد . ثم راح يربط الدول فيه عن طريق جعل سياسة دول العالم تسير باتجاه واحد لتحقيق مصالحه، وعن طريق جعل العالم كأنه شركة مساهمة يكون فيها هو الممول والمنتج، وتشكل فيه الدول الأخرى الطبقة العاملة والمستهلكة. وأحاط العالم بشبكات إعلامية ضخمة جعل فيها شبكات الدول الأخرى الإعلامية تابعة لها ، ويريد بذلك أن لا نقرأ إلا ما كتبه ، ولا نسمع إلا ما يذيعه، ولا نشاهد إلا ما يبثه، ولا نتحدث ونفهم الأمور إلا على ضوء ما يريد .

إنه استعمار جديد، متطور، أشد وأدهى من الإستعمار القديم . فالاستعمار القديم كان يحتل الإنسان من الخارج بينما الجديد يحتل نصفه الداخلي ونصفه الخارجي، ليجعل التبعية مطلقة له، ولا يهددها شيء .

حتى ديننا ، فإن الغرب يريد أن يفهمنا إياه على طريقته . ومن يشذّ عن نظرته تلك فإنه يجنّد وسائل إعلامه هذه ضده. فتصوره بصورة الشاذ الذي يريد أن يخرق الأعراف، ويخرج عن المعهود، ويشق الإجماع، وينعته بنعوت التطرف والإرهاب، والأصولية والتشدد، ويصفه بأنه عدو للإنسانية وظلامي لا يألف العيش إلا في الظلام ، وعدائي يثير في طرحه العداوات والحزازات . وبعد أن يُشوه الصورة ويقلب الحقيقة تقوم الأنظمة بضربه، على اعتبار أنه يستحق الضرب. معتمدين في كل هذا على غفلة الناس عن إدراك الحقائق ، ومستعينين بعلماء يباركون كل أعمال الغرب .. ولكن ما نشاهده اليوم من صحوة بدأت تدب في جسم الأمة جعلت المهمة عليهم صعبة ، وجعلت الأمة تنظر إلى الغرب والحكام والعلماء نظرة واحدة . فصارت تنظر للغرب على أنه شيطان وأن الحكام هم مريدوه ، وأن هؤلاء العلماء لم يتسنموا مراكزهم إلا بمقدار ما أهدروا من كرامة الدين على عتبات الحكام، وأنهم علماء لحالة الإنحطاط ، وأنهم سينتهون بانتهائها، وأن لعصر النهضة الإسلامية الصحيحة علماءها الشعث الغبر ، الأتقياء، الصادقين .

إننا اليوم في مرحلة يعيش فيها الغرب والحكام خوفاً فعلياً من عودة الإسلام ، لذلك نراهم يتحسسون من كل طرح إسلامي يشكل خطراً عليهم ، ويعملون على محاصرته ورميه بشتى التهم ، واستخدام أبواق الإعلام والدعاية ضده وتسخير أفواه العلماء لمواجهته .

لذلك وصفوا كل حركة إسلامية تطالب بالإسلام وحده بأنها متطرفة، وإرهابية، وقام علماء مسلمون، وكتاب قوميون ووطنيون بتأليف المؤلفات وإلقاء المحاضرات عن نبذ التطرف والدعوة إلى الاعتدال. وكلهم ينطلقون من منطلق واحد في النظرة إلى هذا الموضوع وهي نظرة الغرب فحسب . ولولا أن هناك علماء مسلمين يشاركون في هذه المعمعة ويحاولون أن يضفوا على طرح الغرب هذا شرعية ، ووجهاً مقبولاً لما كلّفنا أنفسنا عناء الرد . لأن الآخرين ليس لهم وزن عند الأمة ، شأنهم شأن الحكام ، بل قد يؤدي هجومهم إلى رد فعل معاكس لما يريدون . حتى إن هؤلاء العلماء أنفسهم بدأوا ينعزلون عن الأمة ، وبدأت الأمة تدير لهم ظهرها من كثرة تبريراتهم التي لا تحمل وجه الحق ، وفتاويهم التي تخرج عن الأصول الشرعية المنضبطة ، والتي جاءت في آخر مراحلها لا لتخالف فهماً إسلامياً فحسب بل لتعطل نصوصاً شرعية اتفقت الأمة على ثبوتها والعمل بها. وقد وصل الأمر ببعض هذه الفتاوى أنها راحت تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف ، والعياذ بالله .

وكل هذه الحمية التي يظهرها العلماء عند طرح أفكارهم الغريبة عن الإسلام ، الدخيلة عليه ، هي ليس لإرضاء الله بل لإرضاء الحكام وأسيادهم ، وإنهم وإن أظهروا الحرص على المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية في طروحاتهم هذه فإن الأمة صارت تدرك خطر تلك الأفكار ، واعوجاج أصحابها .

والان وبعد هذه المقدمة ، التي لا بد منها لإدراك حقيقة طرح موضوع ” التطرف والاعتدال ” لابد من طرحه من منظور إسلامي ليعلم المسلمون الحق من غير لبس ، لأنها لا تكفي المشاعر وحدها في تحديد الموقف . وإننا كعادتنا سنجري في معالجة هذا الموضوع بحسب الأصول الشرعية ، ليكون منسجما مع أساس الإسلام ، وهو العقيدة الإسلامية .

جاء الإسلام ليعالج الإنسان ككل .فعالج علاقته بنفسه عن طريق الأخلاق والمطعومات والملبوسات ، وعالج علاقته بغيره من الناس عن طريق المعاملات والعقوبات ، وعالج علاقته بخالقه عن طريق العقائد والعبادات. لذلك كان الإسلام شاملا بمعالجاته لكل أعمال الإنسان . فهو فكر كلي يمكنه الإجابة عن كل ما يتعلق بشئون الحياة .

ثم إن بناء الإسلام بناء متكامل يقوم على أساس تنبثق عنه كل معالجة ويبنى عليه كل فكر . لذلك كانت مفاهيم الإسلام وقناعاته ومقاييسه كلها من جنس فكره الأساسي . وتفصيل ذلك أن الإسلام يقوم على أساس إيمان المسلم بان الله هو الخالق المدبر وأن الإنسان ضعيف وعاجز ومحتاج وناقص ومحدود، وانه يعجز عن المعالجة . لذلك أرسل رسوله ليعلم الناس من هو الله المعبود وكيف تكون عبادته ، وما يترتب على العبادة أو عدم العبادة من ثواب أو عقاب في الحياة الآخرة . فنشا عند المسلم من هذا المقياس لكل أعماله وهو مقياس الحلال والحرام . وصار عقله يعمل لا ليكون حكما على النصوص التشريعية ، ولا ليشرع مع النصوص ، بل يعمل فقط على فهم ما تدل عليه النصوص . النصوص التي تعالج هي من الله ، والإنسان مهمته أن يفهم هذه النصوص ليلتزم بها ، وهو قد يخطئ فهم ما يريده الله أو يصيب ، وهو في الحالتين مأجور شرط أن يكون خاضعا لطريقة الاجتهاد الشرعية . ومن هنا جاء اهتمام المسلمين البالغ بإثبات النصوص ، والذي نتج عنه علم الحديث ، واهتمامهم البالغ بفهم النصوص والذي نشا علم أصول الفقه ، والذي من قواعده ( أن الله هو الحاكم ) و( الأصل في الأفعال والأشياء التقيد بالدليل الشرعي ) و( أن الخير هو ما أرضى الله ، وان الشر هو ما أسخطه ) و ( أن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ) .

وكذلك نرى أن المسلم يؤمن بأن سعادته يحصل عليها بنوال رضوان الله . وأن اطمئنانه واستقراره يقومان على إشباع حاجاته و غرائزه بناء على إيمانه بالله وتقيده بشرعه . وهكذا نرى أن بناء الإسلام كامل متكامل أفكاره كلها متجانسة ، وتقوم على أساس واحد .فما أقره هذا الأساس أخذ وإلا ترك .
وما ينطبق على الإسلام كمبدأ ، ينطبق على الفكر الرأسمالي لأنه كذلك فكر مبدئي ، وبناؤه الفكري متجانس مع بعضه ، وهو إما أن يؤخذ كله أو يترك كله . وتشكل فكرة فصل الدين عن الحياة الأساس الذي انبثقت عنه كل معالجاته ، وبنيت عليه كل أفكاره .

وفكرة ( فصل الدين عن الحياة ) التي قامت على الحل الوسط أدت إلى اعتبار أن الإنسان سيد نفسه ، وحتى يكون سيد نفسه لابد ان تبعد عنه كل وصاية ، ولا يكون ذلك إلا بان يمارس حرياته الأربع بنفسه ، فنشأت عنده فكرة الحريات . وهي لها عنده مفهوم معين .وان يكون سيد نفسه فمعناه أن يسعى لتامين حاجاته الأصلية بحسب نظرته هو من غير آن تحكمه أية نظرة خارجية من دين أو غيره ، فنشأت عنده فكرة الديمقراطية . ويعتبر الذي يعتنق فكرة ( فصل الدين عن الحياة ) أن سعادته يحصل عليها بحصوله على أكبر قدر ممكن من اللذة . وصار ما يدركه عقله ( لأن عقله هو المشرع ) أنه مصلحة ، هو مقصود بأعماله .

وعندما يكون الفكر منسجما فإنه لا يقبل الاختلاط ، والإختلاط بالمعنى الشرعي يعني الشرك ، سواء أكان شركا كفريا ، أو شرك معصية .
فكما أن الإسلام لا يقبل الديمقراطية لأن الديمقراطية هي حكم الشعب ، بينما الحكم في الإسلام للشرع ، كذلك فان الفكر الرأسمالي لا يقبل أن يصل الإسلام إلى الحكم ، لأن في وصول الإسلام إلى الحكم إلغاء للديمقراطية ولكل المفاهيم الناتجة عنها.

ولهذا فإننا نرى أن الغرب يكافح الطروحات الإسلامية الجذرية ويحارب الحركات الإسلامية العاملة للوصول إلى الحكم .ويرى أنها تشكل خطرا عليه وتقضي عليه من الأساس .

ومن هذا المنطلق فانه يحاربها ويعاديها ويرى فيها أنها خصمه اللدود . وينعتها بمختلف النعوت . فينعتها بالأصولية لأنها تنطلق من أصول لا تقر بوجوده ، والمتطرفة لأنها لا تقبل التعامل معه لعدم وجود أمور مشتركة بينهما ، وبالمتشددة لأنها لا تحابي طرحه ولا تحترم وجوده . ولو أنعمنا النظر لرأينا أن ما يصف به غيره هو غارق فيه حتى أذنيه . ويمكن وصفه بما وصف به غيره ، فهو من منطلقه يعتبر انه أصولي لانه ينطلق من أصل يؤمن به ولايقبل بأصل غيره ينافسه . مع أن فكرته التي تقول بالديمقراطية تسمح للآخرين بالوصول طالما أن الناس هم الذين يختارون . ويعتبر كذلك متطرفا وإرهابيا ومتشددا لانه لا يحترم وجود الإسلام السياسي ولا يقبل التعامل معه ولا يمكنه الالتقاء معه على أمور مشتركة. ولكل من خالف مبدأه أوقع نفسه فيما يصف به الآخرين . فأية ديمقراطية هذه التي تلغي الإنتخابات وهي الطريقة التي تعبر بنظره عن إرادة الشعب لتفرض بدلها دكتاتورية الحكام .

من هنا ، فإننا إذا أردنا أن نحكم على فكرة أنها صحيحة أو خاطئة فما علينا إلا أن نردها إلى إصلها ، ونحاكمها ثم نحكم عليها من خلال هذا الأصل ، ولا يمكننا أن نحاكم أية فكرة جزئية من خلال أصل غيرها . فلا يمكننا أن نقول أن السعادة في الإسلام مثلاً يجب أن تكون قائمة على تحصيل اللذة ، ولا نستطيع القول كذلك إن المسلم يؤمن بالحريات التي يؤمن بها الغرب ، لأن الإسلام لا يقر ذلك ولا يقبل به ، ومن رضي بالإسلام كأساس عليه أن يرضى بما ينبثق عنه ، وأن يأخذ الإسلام كله ، لأن ترك بعضه مثل تركه كله ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة -85).
ومن هذا المنطلق نرفض أن يأتي الكلام من دول الغرب بأن الإسلام دين الاعتدال وبأنه يرفض التطرف فهو كلام حق يراد به باطل ، لأنه ينطلق من أساسه الفاسد .

فالتطرف أو الغلو أو الإسراف أو الإفراط ، لها معنىً شرعي إذا خالفه المسلم يقع في الحرام وكذلك فإن الاعتدال أو الاقتصاد أو الاستقامة أو الوسطية لها معناها الشرعي الذي يجب على المسلم التزامه. والأمر نفسه في التفريط والتساهل . فإننا إذا أردنا أن نعرف حكم الشرع بها فإنه لا يمكننا أن ننطلق من المفاهيم والمقاييس التي يؤمن بها الرأسمالي للحكم عليها ، فهذا حرام ، وهذا فيه خدمة للغرب وفكره ، وفيه تحاكم لغير الإسلام للحكم على الإسلام ومفاهيمه .

هناك كثير من الأحكام الشرعية التي يجب على المسلم القيام بها ويأثم بتركها ويعتبرها الغرب بأنها تطرف وتشدد وإرهاب . وذلك كالجهاد في سبيل الله ، والعمل لإقامة الخلافة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي يشمل فيما يشمل الحكام ومقاومة الكفر ونشر الدعوة ، ونبذ الديمقراطية ، وحرمة التعامل بالربا ، ولباس المرأة للحجاب ، وغيره الكثير من الفروض التي يجب على المسلم الالتزام بها .. فهل يجوز لنا أن نحاكمها من خلال فكر الغرب الفاسد النتن الذي لم يحمل الخير لأتباعه فكيف يحمله لغيرهم ، وهل يجوز للمسلمين أن يقولوا بقوله ؟

وعلى هذا فإننا يجب أن نرفض طرح الغرب لفكرة التطرف والاعتدال . ويجب أن نرفض تدخله في أمور ديننا . لذلك فإن البحث هذا لم ينطلق من منطلق شرعي ابتداء بل من موقف سياسي يعمل على تكريس توجه عند الأمة يناسب الغرب ، إنه بحث يتعلق باستمرار استعمار العقول .

والآن لننتقل إلى معرفة رأي الإسلام بهذا الموضوع من منطلق شرعي يخدم الدعوة ويقرب من الله :

المغالاة أو الغلو هو الزيادة والمبالغة . والمغالاة في التدين هي التشدد والتصلب في مجاوزة الحد المطلوب والمقدر شرعاً . ويسمى كذلك الإفراط . ويقابله التفريط من فرّط في الأمر فرطاً أي قصّر به وضيعه وقدم العجز فيه . والتفريط في التدين هو التقصير في أحكامه وتضييع حقوقه ، وإظهار العجز عن القيام بواجباته ومن هنا نشأت مقولة أن ( لا إفراط ولا تفريط في الإسلام ) .
أما الاقتصاد فهو في التوسط والاعتدال والرشد والاستقامة . والمعتدل في الدين هو الذي يستقيم على أمر الله ولا ينحرف نحو الإفراط ولا التفريط . : ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [ المائدة الآية 66]. وتفسيرها أنها أمة معتدلة على أمر ربها أي تلتزم الحد الوسط الذي أمر الله به . قال الفيومي في المصباح المنير : ” قصد في الأمر قصداً أي توسط ، وطلب الأسدّ ، ولم يجاوز الحد ” .

والناظر في هذه التعاريف يفهم منها أن المطلوب من اتبع نفسه يكن قد اتبع هواه . ومن اتبع هواه فقد انحرف . لذلك لا تكون الاستقامة إلا باتباع ما أمر الله به حصراً ، وعدم مجاوزته سواء كان عن طريق الزيادة أم النقصان . ولفهم ذلك لابد من المسلم لأن يكون ملتزماً حدود الله فلا يتجاوزها ، وأن يكون معتدلاً أي مستقيماً على أمره . قال رسول الله : ” قل آمنت بالله ثم استقيم ” . (رواه مسلم وغيره) . أي التزم بما أمرك الله وانته عما نهاك . فاستقم هنا بمعنى اتقِ ، ومن ثم يأتي قوله تعالى يوضح المعنى : ﴿ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ …﴾ [ الشورى الآية 15]. فالله هو الآمر ، والمسلم هو المطيع المؤتمر ، والمسلم لا يستطيع أن يعرف سبيل التقوى ، وطريق الاستقامة من عند نفسه .


مفهوما “التطرف” و “الاعتدال” والتلاعب بهما

28 مايو 2009

﴿ يُرِيدُونَ أن يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ وَيَأبَى الله إِلاّ أن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

تتردد على ألسنة الحكام والمفكرين ووسائل الاعلام هذه الأيام ، ألفاظ التطرف والمتطرفين والاعتدال والمعتدلين وذلك عند الحديث عن الحركات الإسلامية وعن العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية أو عند الحديث عن أفكار الإسلام وخاصة السياسية منها ، بل لقد أصبح الغرب الكافر يرصد واقع المسلمين بشكل دؤوب ويعد الدراسات والأبحاث لمواجهة ما يسمى بالتطرف ، وما يفعل ذلك إلا لغرض خبيث ، هو محاربة الإسلام وحملة دعوته للحيلولة دون عودته إلى واقع الحياة .

وإن الناظر في منطقة العالم الإسلامي اليوم يراها تعيش واقعا غير عادي من السوء ، ويرى اهلها يعيشون في سجن كبير ، تحت تسلط الطواغيت وجلاوزتهم وارهابهم للناس وتحت وطأة محاربةٍ شرسة للاسلام كنظام للحياة والدولة والمجتمع ، ومحاربة لحملته الذين يعملون لايصاله إلى موقع الحكم والتطبيق ، مما اثر على ارادة الناس ، وعلى مقدرتهم على الحركة ، وعلى التعبير عن آرائهم وافكارهم . كما يرى الكفارَ ودول الكفر بقضهم وقضيضهم قد اعلنوا العداء الصريح للاسلام كنظام للحياة واخذوا يحاربونه ويحاربون حملته والعاملين لاعادته إلى الحياة والدولة والمجتمع محاربة شرسة بل وسخروا عملاءهم من حكام البلاد الاسلامية ، وعلى رأسهم حكام البلاد العربية ومن استاجروه من أبناء المسلمين من العلمانيين والمأخوذين بالحضارة الغربية ومن غيرهم للقيام بمهاجمة الإسلام كنظام للحياة ، وتشويه احكامه ، والافتراء عليه ، ووصمه بصفات شنيعة .

وقد اشتدت محاربتهم الفظيعة والشرسة للاسلام كنظام للحياة ولحملته بعد سقوط النظام الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفياتي ، بعد ان برز الإسلام على الساحة كعامل سياسي يتطلع اليه المسلمون ليتخلصوا به من واقعهم السيء ، ومن تحكم أفكار الكفر وقوانينه وأنظمته ودوله الكافرة بهم ، وقد شنوا على الإسلام كنظام للحياة ، وعلى حملته ، حملة شعواء في وسائل الاعلام العالمية وشوهوا صورته ، ووصموه بانه دين ارهاب وقتل ووصموا حملته بانهم قتلة وإرهابيون ومتطرفون ليثيروا عداء الشعوب له ولحملته وليبرروا استقتالهم واستقتال عملائهم من حكام البلاد الإسلامية على ضربه وضرب حملته بهذا الشكل الفظيع والشرس .

ولم تقتصر محاربتهم الإسلام كنظام للحياة ، بل تعدى الأمر إلى محاربة مجرد اسم الإسلام ، ومجرد اسم المسلمين كما هو حاصل في البوسنة والهرسك ، لان الإسلام اصبح شبحا مرعبا للكفر ولدول الكفر ، فانه يذكرهم بدولة الخلافة التي قضت على الدولتين العظيمتين فارس والروم ، والتي استمرت الدولة الأولى في العالم قرابة عشرة قرون ، والتي فتحت القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ، وجعلتها عاصمة لها ، والتي غزت أوروبا وحكمت أجزاء كبيرة منها قرابة خمسة قرون.

وهذا العداء الفظيع ، والمحاربة الشرسة من الكفر ودول الكفر والكفار ، ومن عملائهم حكام البلاد الاسلامية ، للاسلام وحملته ، وللمسلمين في شتى بقاع الارض يجعل المسلم يعتصر ألما وهو يقرأ او يسمع أو يشاهد ما يوقعه هؤلاء الكفار وعملاؤهم المجرمون للمسلمين من اذى وتقتيل وتشريد واستباحة اعراض ، وتعد على الحرمات ومن ضربات فظيعة لا ترحم و من نهب ثروات ، ومن فرض هيمنة ومن تحكم بالبلاد والعباد ، وما كل ذلك الا لكون المسلمين لا راعي لهم ، وقد اصبحوا كالغنم الهائمة على وجوهها بعد ان فقدت راعيها تتخطفها الوحوش الكاسرة من كل جانب.

إلا أن الامة الاسلامية وبحمد الله تعالى صارت لا ترى خلاصا لها من محنتها الا باستئناف الحياة الاسلامية ، واقامة الخلافة ، وعودة الإسلام إلى الحكم والدولة ، وقد اقبل جمهرة المسلمين من أبنائها على العمل بالاسلام والتمسك باحكامه ، وقامت تكتلات واحزاب في الأمة تعمل على التخلص من انظمة الكفر ، ومن أفكار الكفر الوافدة الينا مع الغزو الصليبي الغربي الكافر ، وعلى خلع الدساتير والقوانين الوضعية ، والقضاء على الافكار الكافرة من ديمقراطية ، وقومية ووطنية وحرية شخصية وغيرها ، واحلال الإسلام السياسي وأنظمته واحكامه وافكاره محل هذه الاحكام والأفكار.

ولكن بعد ان صار تحقيق كل ذلك يلوح في الأفق ، هال هذا الأمر الكفار ودول الكفر كما هال حكام المسلمين والمفتونين بالثقافة الغربية والحاملين لها ، فراحوا يتلمسون السبل لوقف هذا الزحف ، فكان ما أعدوه من وسائل أن لجأوا إلى الناحية الفكرية لتشويه أحكام الإسلام وتنفير المسلمين من دعاة الإسلام ، لصرفهم عن العمل لقلع أفكار الكفر وأنظمته ، وخلع الطواغيت الظلمة الذين يجثمون على صدور الناس وأضلاعهم ، وبالتالي صرف المسلمين عن مسيرتهم نحو إقامة الخلافة وإعادة الحكم بما انزل الله . فكانت ألفاظ التطرف والمتطرفين والإرهاب والإرهابيين، والاعتدال والمعتدلين ، التي شهروها في وجوه المسلمين العاملين بالإسلام وللإسلام ، وقد صرفوا هذه الألفاظ عن دلالتها والمعاني التي وضعت لها عن خبث وسوء نية ، فجعلوا من ينكر على حكام المسلمين الطواغيت ظلمهم وحكمهم بأحكام الكفر ، ويعمل لإقامة الخلافة والحكم بما انزل الله متطرفا ، وجعلوا من يسايسهم ويرضى عنهم ، ومن يعمل للإصلاحات الجزئية مع بقاء نظام الكفر معتدلا . هكذا دبروا ، وهكذا نفذوا ، جاعلين من أنفسهم ودولهم المثل الأعلى والمصدر الذي تصدر عنه الآراء والأفكار ، مع أن الله سبحانه يوجب على المسلمين أن يصدروا عن الإسلام وأحكامه وان يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا غير ، فان يأتي هؤلاء الحكام ليضعوا أنفسهم بدل ربهم ، ودولهم بدل دينهم فهو الضلال ، وهو ادعاء الربوبية من دون الله.

ثم أن يأتي أعوانهم من المثقفين بالثقافة الغربية ، ومن بعض المشايخ ليكونوا أبواقا لهذه الضلالات فهو الإجرام الذي ما بعده إجرام . إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوجب على المسلمين الإنكار على الحكام الظالمين ، ويوجب عليهم ان يغيروا عليهم ليردوهم عن ظلمهم ، فقد روى ابو امامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : ” أعظم الجهاد كلمة حق تقال في وجه سلطان جائر ” ، وفي رواية لعبد الله بن مسعود : ” لتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق اطرا ” وتمام الرواية عن حذيفة ” او ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم ” .

اما هؤلاء الطواغيت فقد رموا كل من يعمل من دعاة الإسلام لخلعهم والانكار عليهم بالتطرف اي انهم رموا الإسلام نفسه بالتطرف ما دام اسلاما سياسيا يراد منه ان يحل محلهم ، ويقصيهم عن كراسيهم . ثم تمادوا في صلفهم وعمالتهم ، فنادوا بان كل من يحرم موالاة الكفار ودولهم من الامريكيين والانجليز والفرنسيين والروس ، والاستعانة بهم ، هو متطرف ومنغلق ومتزمت ، وان من يقبل الاستعانة بهم وموالاتهم هو معتدل وعقلاني وايجابي . مع أن الإسلام يحرم على المسلمين موالاة الكفار يهودا كانوا او نصارى ، ويحظر عليهم اتخاذهم اولياء وانصارا ، قال سبحانه وتعالى : ﴿ لا يتخذ المؤمنين الكافرين اولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ ، و : ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا اباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم ﴾ .

كما طلعوا علينا بان الصلح مع اسرائيل ، والاعتراف بها ، وباحتلالها وملكيتها لارض اسلامية اعتدال وتعقل ، وان من يحرم الصلح معها وينادي بالقضاء عليها من جذورها ، هو متطرف غير واقعي ، في حين ان الإسلام يوجب على المسلمين ان يردوا كل كافر يهاجم بلادهم ، ويوجب عليهم استرجاع كل شبر من ارض الإسلام ظهر عليه الكفار واغتصبوه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” من ملّك كافرا شبرا من أرض المسلمين ملكه الله قطعة من جهنم ” ، وهذا كله معلوم من الدين بالضرورة ، ‎لا ينكره إلا كافر أو جاهل .

كما نعتوا الحركات الإسلامية السياسية بالتطرف ، ونعتوا الحركات الإسلامية غير السياسية والحركات الوطنية والقومية بالاعتدال ، لان هؤلاء لا خطر منهم على دولهم ، سيما وأنهم في طريق التلاشي ، وان الخطر كل الخطر من أولئك .

وهكذا صرفوا هاتين الكلمتين – التطرف والاعتدال – عن دلالتيهما وتلاعبوا بهما كعادتهم في التلاعب بالدين واللغة ، وبمصير هذه الأمة كلها .

أما عن التطرف والاعتدال فإن التطرف ليس له دلالة شرعية ، لان هذه اللفظة لم ترد في النصوص الشرعية ، ولم يستعملها فقهاء الإسلام ، ولذا فانه ليس لها سوى الدلالة اللغوية فحسب ، والتطرف في اللغة : :هو مجاوزة حدّ الاعتدال ويقال تطرفت الناقة إذا رعت أطراف المرعى ولم تختلط بالنوق ، ورجل متطرف أي لا يثبت على أمر ، وإذا أردنا أن نستعمل اللفظة في الشرع قلنا : إن التطرف هو مجاوزة الحدود التي وضعها الشرع ، أي مخالفة أحكام الإسلام .

أما الاعتدال : فهو وسط بين حالتين في كم او كيف ، وكل ما تناسب فقد اعتدل ، فإذا مال الشيء فأقمته تقول عدلته فاعتدل ، ولا يفرق أهل اللغة بين الاعتدال والاستقامة والاستواء فهم يقولون : استقام الشيء إذا استوى واعتدل ، وشرعا الاعتدال هو الالتزام بالاحكام الشرعية والاستقامة عليها والاتيان بها على الوجه الذي شرعه الله تعالى .

هذا هو التطرف ، وهذا هو الاعتدال ، فالذي يزيد في عدد ركعات الفرائض ، او يطوف طواف العمرة عشر اشواط ، او يحرم قتل نساء واطفال الكفار الذين يشاركون في حربنا او يحرم اكل العنب لان منه تصنع الخمر ، او يوجب على نفسه لبس الخشن من اللباس تقربا إلى الله ، او يحرم العمل السياسي ويقصر الإسلام على العقائد والعبادات والاخلاق وبعض المعاملات او يمتنع عن الزواج لانه يلهي عن العبادة وقيام الليل ، كل هؤلاء يعتبرون متطرفين ومتنطعين لانهم جاوزوا حدود الاحكام الشرعية .

والذي يلتزم أحكام الله تعالى ويبتعد عن نواهيه ويجاهد الكفار ولا يشرع الأحكام من دون الله تعالى ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعمل من أجل استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة ، فيقول الحق أينما كان ولمن كان دون خشية أو خنوع ويحمل الدعوة في الأمة بالعمل السياسي فيكشف خطط الكفار ومؤامراتهم على هذه الأمة ويفضح عملاءهم ويتصدى لهم فإن من يفعل كل ذلك لا يكون متطرفا أو متزمتا وإنما هو معتدل وملتزم بأحكام الله تعالى .

والمسلمون جميعا ملزمون بالتقيد باحكام الإسلام ، والاتيان بها كاملة وفق ما شرعه الله لعباده دون زيادة فيها او نقصان ، والوقوف عند حدود الله فيها وعدم تجاوزها حتى لو ناقضت مصالحهم واهواءهم وعاداتهم ، ورغبات حكامهم ، وقوانينهم ودساتيرهم ، فدين الله أحق أن يتبع وحدود الله يجب أن تصان وأحكام الإسلام يجب أن يدعى لها ، وان يتكتل المسلمون عليها وان يعملوا لإعادتها إلى الحياة بإقامة الحكم الإسلامي .

وكل من يقوم بذلك فهو ملتزم ومتمسك ومعتدل ، أما من يخالف هذا فهو المتطرف والمخالف والآثم ، : ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾.

ولا يعتبر من التطرف تمسك الشخص أو الجماعة برأي أو حكم في أي شأن من شؤون الحياة ، وفي كيفية حمل الدعوة الإسلامية ما دام الحكم أو الرأي أو الفكر مأخوذا باجتهاد صحيح . ذلك أن الإسلام قد حدد أحكاما شرعية وأمر المسلمين بالتزامها ونهاهم عن مخالفتها : ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ﴾ و ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ وفي الحديث ” إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها ” . والحدود التي أمر الله بالتزامها ونهى عن التعدي عليها ومجاوزتها هي أحكام شرعية بينتها الشريعة الإسلامية : ” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ” وقال جل وعلا : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ” .

وهذه الأحكام إما أن تُفهم من الدليل الشرعي ذي الدلالة القطعية وذلك كحرمة الزنا في قوله تعالى ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ وكقوله تعالى ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ ، وإما أن تؤخذ الأحكام الشرعية استنباطا من الدليل الشرعي ذي الدلالة الظنية مثل قوله تعالى ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلا ثة قروء﴾ فإن لفظ القروء يحتمل أن المراد به الحيض أو الطهر ، وكذلك قوله تعالى ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فإنه يحتمل أن المراد به الزوج أو الولي .

وبصورة أخرى فإن الأحكام الشرعية وهي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد جاءت في القرآن والحديث ، وكان فيها الكثير مما يحتمل عدة معان حسب اللغة العربية وحسب الشرع ، لذلك كان طبيعيا وحتميا أن يختلف الناس في فهمها ، وأن يصل هذا الاختلاف في الفهم إلى حد التباين والتغاير في المعنى المراد لذلك قد يكون هناك في المسألة الواحدة آراء مختلفة ومتباينة .

فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين قال في غزوة الأحزاب : ” لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة ” فهم البعض أنه قصد الاستعجال وصلوا في الطريق ، وفهم البعض الآخر أنه قصد المعنى فلم يصلوا العصر وأخروها حتى وصلوا بني قريظة فصلوها هناك ، ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أقر الفريقين كلا على فهمه ، وهكذا الكثير من الآيات والأحاديث .

فاختلاف الآراء في المسألة الواحدة يحتم على المسلم الأخذ برأي واحد منها لأنها كلها أحكام شرعية ، إلا أن أخذ الحكم الشرعي من الدليل الظني الدلالة لا يجوز أن يكون إلا باجتهاد صحيح وحسب طريقة الإسلام لا غير ، والاجتهاد حتى يكون صحيحا لا بد أن تتوفر فيه ثلاثة أمور ، أحدها بذل الوسع على وجه يحس بالعجز عن المزيد فيه وثانيها أن يكون هذا البذل في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية وثالثها أن يكون طلب الظن هذا من النصوص الشرعية . وعليه فإن من لم يبذل الوسع لا يكون مجتهدا ومن بذل الوسع في طلب الظن بغير الأحكام الشرعية من المعارف والآراء وغير ذلك لا يكون مجتهدا وكذلك من طلب الظن من الأحكام الشرعية من غير النصوص الشرعية لا يكون مجتهدا ولا يعتبر ما توصل إليه من حكم رأيا شرعيا .

فمن قال بجواز التعددية السياسية مستندا إلى فكرة حرية الرأي في النظام الديمقراطي لا يعتبر رأيه رأيا شرعيا ولا يعتد به بأي وجه من الوجوه بل هو رأي لا يمت للإسلام بصلة ، لأنه لا دليل عليه والإسلام يحرم أن يسود مجتمعه كل ما لم ينبثق عن العقيدة الإسلامية من أفكار وأحكام وآراء : ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ” من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ” .

ومن قال بأن الإسلام دين عبادات وأخلاق ولا دخل له بالسياسة أو الدولة مستندا إلى مقولة دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر فإن رأيه هذا مردود عليه لأنه ليس من الإسلام في شيء بل هو كفر بقوله تعالى : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وإنكار لما ثبت بالتواتر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاكما ورئيسا لدولة يحكم الناس فيها بأحكام الإسلام التي عالجت جميع نواحي الحياة .

وهكذا كل ما يعمل أعداء الإسلام على دسه بين المسلمين من أفكار ومناهج ليست من الإسلام كالديمقراطية والقومية والوطنية وجواز بقاء المسلمين دون خلافة ، وإضفاء الشرعية على الأنظمة الحاكمة وغير ذلك ، ومحاولة الإتيان لها بأدلة شرعية زورا وبهتانا وتحميل النصوص بما لا تحتمل فإنها ليست من الإسلام ، ولا يجوز الالتفات إليها بل على المسلمين لفظها ومحاربتها .

فالعبرة إذن في أخذ الأحكام الشرعية صحة استنباطها من الأدلة التفصيلية بطريقة الإسلام ، ويكون حينئذ الالتزام بهذه الأحكام اعتدالا واستقامة ، ويكون عدم الالتزام بها تطرفا وتجاوزا لحدود الدين .

وعليه فإن من الخطأ الفادح أن يجعل التطرف سهما يطلق على كل رأي أو سلوك لمجرد وجود تخوف معين من نتائج هذا الرأي أو آثار ذلك السلوك أو لمجرد مخالفة أي منهما لهوى أو مصلحة ، بل لا بد من أن يكون هناك مقياس يقاس به كل رأي وكل سلوك فتعرف شرعيته في الإسلام من عدم شرعيته ويتقرر حينئذ رفضه أو قبوله ، تبنيه أو محاربته .

والإسلام هو الحجة فإذا فُهم حق الفهم وتحقق عند المسلمين الوعي على أفكاره وأحكامه فإنهم عندئذ يكونون بمنأى عن الوقوع في التطرف ومغالطات التطرف .

فعلى المسلمين جميعا أن ينتبهوا لكل المضلين المحرفين المغرضين ، وان لا يخدعوا بأقوالهم ولا بما يلقونه إليهم ، بل يلقونه في وجوههم ، ويتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهما الحكم والفيصل ، لا يزيغ عنهما إلا هالك.

“طوبى للغرباء”


إرادة الحياة: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }

2 يناير 2009

{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }
جزم الشابي بالإستجابة نابع من الإيمان الجازم لأبي القاسم إبن العشرينات وإبن الشيخ والقاضي محمد الشابي بوعد الله بالإستجابة إذا ما أراد الشعب الحياة. وهذا هو تعبير شاعر بشعره عن الآيات والأحاديث الواردة في مسألة التغيير ومنها:
{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.
أما الحياة فهي العزة
.
أيها المسلمون، لا توهب الحياة لمن لا يريدها بعزم. ومن اراد الحياة وغير ما بنفسه، يغير الله ما به {وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ }.

 

إرادة الحياة

إذا الـشـعـب يـومــاً اراد الـحـيــاة ** فـــلا بـــد أن يستـجـيـب الــقــدر
ولا بـــــد لــلــيــل أن يـنـجــلــي ** ولا بـــــد لـلـقـيــد أن يـنـكــســر
ومـن لـم يعانقـه شــوق الحـيـاة ** تـبـخـر فـــي جــوهــا ، وانــدثــر

فويـل لـمـن لــم تشـقـه الحـيـاة ** مــن صـفـعـة الـعــدم المنـتـصـر
كـذلــك قـالــت لــــي الـكـائـنـات ** وحـدّثـنــي روحــهــا الـمـسـتـتـر
ودمـدمـت الـريـح بـيــن الـفِـجـاج ** وفــوق الجـبـال وتـحـت الـشـجـر
إذا مـــا طـمـحـت إلــــى غــايــة ** ركـبـت المـنـى ونسـيـت الـحــذر
ولـــم أتـجـنـب وعـــور الـشـعـاب ** ولا كـــبٌــــةَ اللهب الـمـسـتــعــر
ومــن لا يـحـب صـعــود الـجـبـال ** يـعـش ابــد الـدهـر بـيـن الـحـفـر

فعـجّـت بقلـبـي دمــاء الـشـبـاب ** وضـجــت بـصــدري ريـــاح أٌخـــر
وأطرقـت أصغـي لقصـف الرعـود ** وعــزف الـريـاح ، ووقـــع الـمـطـر
وقــال لــي الأرض لـمـا سـألـت: ** أيــا أم هـــل تكـرهـيـن الـبـشـر؟
ابــارك فيالـنـاس أهــل الطـمـوح ** ومـــن يسـتـلـذ ركـــوب الـخـطـر
وألعـن مــن لا يمـاشـي الـزمـان ** ويقـنـع بالعـيـش عـيـش الـحـجـر
هــو الـكـون حــي يـحـب الحـيـاة ** ويحـتـقـر الـمـيـت مـهـمــا كــبــر
فـلا الأفـق يحضـن ميـت الطيـور ** ولا النـحـل يـلـثـم مـيــت الـزهــر
ولـــولا أمـومــة قـلـبـي الــــرؤم ** لمـا ضـمـت المـيـت تـلـك الحـفـر

فويـل لـمـن لــم تشـقـه الحـيـاة ** مـــن لـعـنـة الـعــدم المتـتـصـر !
وفـي ليلـة مـن ليـالـي الخـريـف ** مـثـقـلّـة بــالأســـى والـضــجــر
سكـرت بهـا مــن ضـيـاء النـجـوم ** وغنـيّـت لـلـحـزن حـتــى سـكــر
سألت الدجـى: هـل تعيـد الحيـاة ** لــمــا أذبـلـتــه ربــيــع الـعـمــر؟
فـلــم تتـكـلـم شـفــاه الــظــلام ** ولـــم تـتـرنـم عـــذارى الـسـحــرّ
وقــال لــي الـغــاب فـــي رقـــة ** محـبـبـةٍ مــثــل خــفــق الــوتــر
يجـيء الشـتـاء ، شـتـاء الضـبـاب ** شـتـاء الثـلـوج ، شـتــاء الـمـطـر
فينطفىء السحر ، سحر الغصون ** وسـحـر الـزهـور وسـحـر الـثـمـر
وسحـر المسـا الشـجـي الـوديـع ** وسحرالـمـروج الشـهـي الـعـطـر
وتــهــوي الـغـصــون واوراقــهـــا ** وأزهـــار عــهــدٍ حـبـيــبٍ نــضــر
وتلهـو بـهـا الـريـح فــي كــل وادٍ ** ويـدفـهـا الـسـيـل ، أنـــى عــبــر
ويفـنـى الجـمـيـع كـحـلـم بـديــع ** تــألــق فــــي مـهـجــةٍ وانــدثــر
وتبـقـى الـبــذور الـتــي حـمـلّـت ** ذخـيــرة عـمــرٍ جمـيـلـس غـبــر
وذكـرى فصـول ٍ ، ورؤيــا حـيـاةٍ ، ** واشـبــاح دنـيــا تـلاشــت زمــــر
معانـقـةً وهــي تـحـت الـضـبـاب ** وتـحــت الـثـلـوج وتـحــت الـمــدر
لطـيـف الـحـيـاة الـــذي لا يـمــل ** وقـلـب الربـيـع الـشـذي الـخـضـر
وحـالــمــة بـأغــانــي الـطــيــور ** وعـطـر الـزهــور وطـعــم الـثـمـر
ومـــا هـــو إلا كـخـفـق الـجـنــاح ** حـتــى نـمــا شـوقـهـا وانـتـصــر
فـصـدّعـت الأرض مـــن فـوقـهـا ** وأبـصـرت الـكـون عــذب الـصــور
وجــــــاء الــربــيـــع بـأنــغــامــه ** وأحــلامـــه وصـــبـــاه الــعــطــر
وقبـلّـهـا قـبــلاً فــــي الـشـفــاه ** تعـيـد الشـبـاب الــذي قــد غـبــر
وقـــال لــهــا: مٌـنِـحــت الـحـيــاة ** وخـلّـدت فــي نـسـلـك الـمـدّخـر
وبــاركــك الــنــور فاسـتـقـبـلـي ** شـبـاب الحـيـاة وخـصـب الـعـمـر
ومـــن تـعـبــد الــنــور أحــلامــه ** يـبـاركــه الــنــور أنــــى ظــهـــر
إلـيــك الـفـضـاء ، إلـيــك الـضـيـاء ** إلـيـك الـثـرى الـحـالـم الـمـزدهـر
إلـيــك الـجـمـال الــــذي لايـبـيــد ** إلـيـك الـوجـود الـرحـيـب الـنـضـر
فميدي كما شئتِ فـوق الحقـول ** بـحـلـو الـثـمـار وغــــض الــزهــر
وناجـي النسيـم وناجـي الغـيـوم ** ونـاجـي النـجـوم ونـاجـي القـمـر
ونــاجــي الـحــيــاة وأشـواقــهــا ** وفـتـنـة هـــذا الــوجــود الأغــــر
وشف الدجى عن جمـال عميـقٍ ** يـشـب الخـيـال ويـذكــي الـفـكـر
ومـد علـى الكـون سـحـر غـريـب ** يــصــرّفــه ســـاحـــر مــقــتــدر
وضـاءت شمـوع النجـوم الـوضـاء ** وضـــاع الـبـخـور بـخــور الــزهــر
ورفـــرف روح غــريــب الـجـمــال ** بأجـنـحـة مــــن ضــيــاء الـقـمــر
ورن نـشـيـد الـحـيـاة الـمـقــدّس ** فــي هيـكـل حـالـمٍ قــد سـحــر
واعلـن فــي الـكـون أن الطـمـوح ** لـهـيــب الـحـيــاة وروح الـظــفــر
إذا طـمـحـت للـحـيـاة الـنـفــوس ** فــلا بـــد أن يستـجـيـب الـقــدر !